Archive | الجزية RSS feed for this section

(4) هذا الإسلام : الجزية و الدولة الجزء الثالث و كلمة أخيرة لأولى النُهى

3 Apr

إنتهينا في الجزء السابق من أن إجتهادات فقهائنا تأثرت بشدة بمواقف أهل الكتاب و غير المسلمين من الدعوة فلم تعبر جميعها عن روح الإسلام السمحة

فروح القرآن هي المساواة بين بني البشر على تعدد ألونهم و أجناسهم و دياناتهم

أما الجزية فلا معنى لهإ لا بفهمها في سياقها التاريخي

فهذه الآية نزلت في حرب الروم و حارب الرسول بعدها في غزوة تبوك – و لا سبيل هنا لسرد كل تفاصيل الغزوة – لكن باختصار أن الروم تجهزوا مع أعوانهم من قبائل  العرب لخم و غسان  و جذام  ليحاربوا المسلمين و يفتكوا بالدعوة لجديدة

و ما إن سمع الروم بزحف النبي حتى تقهقروا و تركوا حلفائهم من العرب  خلفهم  لمصيرهم و هو الجزية و الإذلال و المهانة كما تقول الآية

إن إذلال المهزوم ضرورة عسكرية تمليها نتائج المعارك كي تنكسر نفس المهزوم فلا تقوم له قائمة  فما بالك بدعوة ناشئة تنشد الأمان ؟

أما الجزية فخير تفسير لها أنها كانت مقابل ما يوفره المسلمون لأهل البلاد المفتوحة من حماية و منعة  و أذكر هنا أمثلة لإسقاط الجزية عن الناس إذا ما شاركوا في الدفاع و الحماية

1-كتب أبو عبيدة إلى كل وال في المدن التي صالح أهلها يأمرهم أن  يردوا عليهم كل ما جبي من جزية و خراج و كتب إليهم ” إنما رددنا عليكم أموالكم  لأنا قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع و أنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم و إنا لا نقدر على ذلك و قد رددنا عليكم ما أخذنا منكم و نحن لكم على الشرط و ما كان بيننا و بينكم إن نصرنا الله عليهم

2-الأحناف أنفسهم يصرحون أن الجزية ما هي إلا عوضا عن نصرتهم لدار الإسلام

3- هذا بخلاف القصص التي ذكرتها من قبل عن النصارى الذين حاربوا في جيش النبي عليه الصلاة و السلام بلإضافة إلى عهد المدينة ” أن اليهود من المسلمين أمة واحدة ” فلم يأخذ منهم الرسول الجزية

هناك قصة أخرى عن عمر بن الخطاب مع قوم لم يدفعوا الجزية و لم يشاركوا حتى في الدفاع عن الدولة و هي القصة مع نصارى بني تغلب

و القصة كما يرويها البلاذري ” أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أراد أن يأخذ الجزية من نصارى بني تغلب فانطلقوا هاربين و لحقت طائفة منهم ببعد من الأرض فقال النعمان بن زرعة لأمير المؤمنين ( أنشدك الله في بني تغلب فإنهم قوم من العرب نائفون من الجزية و هم قوم شديد نكايتهم فلا يغني عدوك عليك بهم ) فأرسل عمر في طلبهم فردهم و أضعف عليهم الصدقة ( أي أنهم دفعوا الزكاة مضاعفة ). و في رواية أخرى أنهم قالوا له ” ضعف علينا الصدقة أما أن  لم تكون جزية كجزية الأعلاج  فإنا نرضى و نحفظ ديننا ”

و كانت هناك حالة مماثلة لذلك على عهد عمر أيضا فيها استبدال الجزية بزكاة مضاعفة و كان الطرف الأخر نصراني هو جبلة بن الأيهم من ملوك الغساسنة العرب

و الدكتور فتحي عثمان يرى نقطة جديرة بالبحث و الإهتمام فيقول ” إذا كان يجوز شرعا أن يدفع من صدقات المسلمين إلى غير المسلمين المحتاجين فمن باب أولى يجوز أن يشارك غير المسلمين اختيارا في أداء الصدقات للإنفاق منها على غير المسلمين و لا يشترط أن يتم هذا الإختيار فرديا و إنما يجوز ن يجري جماعيا عن طريق من يتحدث باسم الجماعة كلها

نخلص من هذا كله أن الجزية كانت مقابل الحماية و مادام غير المسلم يشترك في الدفاع عن أرضه فلا موجب لفرضها فالإسلام اليوم عزيز لا يهاب أحد .

أما عن مصطلح أهل الذمة فهو مصطلح استعملته العرب كثيرا قبل البعثة و أريد أن أشرح معناه . إن مصطلح أهل الذمة بمعناه الحالي لا يوجد في القرآن لكن في السنة المطهرة  في أحاديث كثيرة منها على سبيل المثال

1- قوله عليه السلام ” أوصيكم في أهل ذمتي خيرا  ”

2- الرسول نفسه يتكلم عن المسلمين فيقول ” ” أنه يسعى بذمتهم أدناهم ”

و يقول فهمي هويدي معقبا على ذلك ” أي أنه من خلال هذه الصيغة الوصفية التي أطلقت على الآخرين على لسان الرسول في عهوده دخل تعبير أهل الذمة قاموس التخاطب مع غير المسلمين سواءا في الممارسات الواقعية أو كتب الفقه المختلفة  و لكن هذ التعبير و إن استخدم في أحاديث النبي و عهوده إلا أنه كان جزءا من لغة الخطاب في تعامل القبائل العربية قبل الإسلام إذ كانت عقود الذمة و أمان صنيعة التعايش التي تعارف عليها عرب الجاهلية  ” انتهى الإقتباس

نعم إن كلمة أهل الذمة لا تزيد عن كونها ” حالة تعاهدية ” تعارف عليها العرب في الجاهلية  في تنظيم علاقات القبائل ببعضها حتى إذا جاء الإسلام استمرت تلك الأعراف ضمن ما استمر من أعراف و تقاليد . و ما جاء في الأحاديث كان ضمن الوصف لا التعريف . فلقد عرف العرب التناصر بالجوار فكان  وجاهاءهم في الجاهلية يجيرون من لجأ إليهم و استجار بهم بما يسمونه عقد الجوار أو الذمة و كانت تلك العهود من مقتضيات الشهامة و الأنفة العربية  و كان على المجير أن يدافع عن المستجير و يطلب له بظلامته ” عساكم تذكرون قصة الرجل الذي جاء إلى الرسول يطلب دينه من أبي جهل و استنصر بالنبي ” أو ” عهد أبي طالب للنبي ” و استمرت تلك الأعراف في دولة الخلافة الإسلامية حتى العصر العثماني  و لا يمكن فهم موقف الإسلام من غير المسلمين إلا في إطار الروح العامة للقرآن  ” {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70″

و أثبتت أصله السماوي ” {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }الحجر29 و قررت المساواة بين البشر ”  {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }النساء1

و لا ننسى قوله تعالى {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }الممتحنة8

هذا بالإضافة إلى فيض من الأحاديث

1- من ظلم معاهاد أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه

2- منعني ربي أن أظلم معاهدا و لا غيره

3- من قتل قتيلا من أهل الذمة حرم الله عليه الجنة

و من وصايا أبو بكر الصديق ” لا تقتلن أحد من أهل ذمة الله فيطلبك الله بذمته فيكبك الله على وجهك في النار ”  و من وصايا عمر و هو على فراش الموت ” أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرا و أن يوفي لهم بعدهم و أن يقاتل من ورائهم و ألا يكلفهم فوق طاقتهم ”  و قد كان عمر شديد الحرص  أن يتحرى بنفسه تطبيق الولاة لهذا الأمر و يروي الطبري  أن عمر قال لوفد من البصرة ” لعل المسلمين يفضون إلى أهل الكتاب بأذى ؟ فقالوا ما نعلم إلا الوفاء ” و هو نفسه المعنى عندما قال الإمام على بن أبي طالب ” من كان له ذمتنا فدمه كدمنا و ديته كديتنا ” و إن التاريخ الإسلامي يمتلىء بمواقف لا نهاية لها تؤكد هذا الفهم حتى إن أحد الخلفاء العباسيين ولى نصرانيا قيادة جيش الخلافة !

لا أرى مانعا إذا من إلغاء كلمة أهل الذمة من قاموسنا اليومي إذا كانت تسبب حرجا للمسيحيين و اليهود . و بمناسبة هذا أقول إن مسيحيي مصر هم مسيحيو مصر ليسوا أقباطا و لا نصارى فالمصري هو قبطي و لا يمكن أن تختص فئة من الشعب بهذا الاسم و تكون البقية ضيوفا على مصر ! و مسيحيو مصر ليسو نصارى فلا نريد أن نصف  أنهم نصارى فيلتصق في أذهان العامة ما كان من الصراع بين النبي و أصحابه معهم بمسيحيي مصر . نريد أن نبني دولة جديدة تحترم الإنسان و ترفعه إلى مكانته التي رفعه الله إليها .  و على ذلك لا أرى ما يحول دون تقلد المسيحيين في مصر وظائف الجيش و بل و قيادة الجيش و بذلك تسقط الجزية ماداموا يدافعون عن أرضهم و أوطانهم  فالمسيحي يخدم في الجيش  دفاعا عن وطنه و المسلم مجاهدا في سبيل الله .

و أقول للمسيحين في بر مصر : أننم إخوة لنا في الوطن و لا يمكن أن تصلوا لشىء ما صممتم ان تصطدموا بالمجتمع  و أسلوب الهمز و اللمز بأن مشاكلكم إنما هي بسبب أسلمة المجتمع  لن يجدي نفعا إن مشاكلكم ليست بسبب الإسلام إنما بسبب رغبتكم في أن يكون لكم وضع متميز في المجتمع و لن تصلوا إلى ذلك الوضع المتميز إلا بالاعتراف بالهوية الإسلامية العربية لهذا المجتمع و أن تذوبوا في المجتمع و لا مفر من إنتهاء دور الكيسة كوسيط بين الدولة و المسيحيين و لا تأخذوا حقوقكم إلا بالجهاد في سبيلها   و رحم الله مكرم عبيد عندما قال ” أنا مسلم وطنا قبطي دينا ” .

إنتهت

Advertisements

(3) هذا الإسلام : الجزية و الدولة الجزء الثاني

2 Apr

إنتهيت في الجزء الأول من عرض إجتهادات الفقهاء عن الجزية و عقبت قائلا إنها آراء يشوبها التعصب أو الكره أو عدم الثقة  و هو ما سأشرح سببه الآن .

إن القارىء للقرآن يجد دائما صراعا بين المسلمين في و غيرهم من اليهود و النصارى كما تقول الآيات

{وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }البقرة120

إن هذه المعاني و و معانٍ أخرى يعرضها الحق سبحانه و تعالى في معرض حديثه عن الصراع السياسي الناشب في الدينة المنورة بين الرسول و بين اليهود

حتى هنا و لم يفهم المسلمون الأوائل أنهم في حالة حرب مع أي من أصحاب الديانات فانظر إلى ما فعله الصحابة عند دخولهم الشام و مصر فلم يقتلوا رجلا و لا إمرأة بل تعاملوا مع كل أهل البلاد المفتوحة بالحب و الإحترام

و إني أريد أن أذكر بعض ما قاله الصحابة

فهاهو عمر بن الخطاب يوصي سعد بن ابي وقاص قائلا “و نح منازلهم ( أي منازل جنود المسلمين ) عن قرى أهل الصلح و الذمة فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه و لا يرزأ  ( يتقاضى ) من أهلها شيئافإن لهم حرمة و ذمة إبتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها فما صبروا لكم ففوا ( أي أوفوا ) ”

يالهذه السماحة إن عمر يأمر قائد جيشه بأن يجعل منازل الجنود بعيدا عن أهل القرى حتى لا يؤذي مشاعرهم ! أي رسالة هذه التي تحرص على مشاعر أناس لا يتبعونها ؟ أي قوم هؤلاء الذين يحابون لإسقاط حكم الرومان في مصر  والشام لا لشىء سوى دك مواقع الكفر و حصون الظلم ؟

إنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر ,  إنهم خير أمة أخرجت للناس .

و يقول الإمام على رضى الله عنه مخاطبا مالك الأشتر حين ولاه مصر بعد مقتل محمد بن أبي بكر “و اشعر قلبك الرحمة للرعية و المحبة لهم و اللطف بهم  فإنهم صنفان : إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق ”

إن  هناك شواهد كثيرة في السيرة أن الصحابة  و الرسول نفسه لم يكرهوا أحد لمجرد الكره أو كرهوا أحد لا لسبب سوى انه مختلف في الدين

فها هو الرسول عليه الصلاة و السلام تمر أمامه جنازة ليهودي فيقوم من مجلسه تحية و إحتراما لجثمان الميت فقام الصحابة يقولن له إنها جنازة يهودي ؟ فكان رد الرسول سريعا و حاسما : أليست نفسا ؟ أليس إنسان من خلق الله و صنعه ؟

إن تلك الواقعة الأخيرة تلقي الضوء على موقف الإسلام من أصحاب الديانات الأخرى  و أظن أنه قد حان الوقت لأستعمل المبادىء العامة لتي سوقتها في أول مقالة في هذه المجموعة كي أوضح موقف القرآن

1-

آيات تدل على شىء واحد هو أن الإنسان مخلوق مكرم مرفوع شأنه ليس كبقية المخلوقات

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70

يفهم إذا من هذه الآية أن كل ابن آدم كلهم بلا إستثناء مكرمين و كلهم مفضلين لا فرق بين مسلم و غير مسلم

و أخرى {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }التين4

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30

{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ }الأعراف11

3- ثم هناك الفكرة المكزية ألا و هي النفس البشرية و رفيع مكانتها

{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ }المائدة32

أي أن اليهودي الذي يقتل كافرا يقتل فيه و أن المسلم الذي يقتل غير مسلم يقتل فيه – إذا كان القتل خطأً- ليس هذا فقط فإن العدوان على النفس البشرية هو عدوان على الناس جميعا – إن هذا هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالفعل

و الآية واضحة هنا لا تفرق بين مسلم وغير مسلم  و لقد كانت لهذه الآية صدى بعيد في فكر فقهائنا العظام فإن الإمام أبو حنيفة بعدم جواز الحجر على السفيه لأن في هذا إهدارا لآدميته  و لما كان الضرر الذي يصيب آدميته جراء هذا الحجر أكبر من الضرر المادي الذي يترتب علي تصرفه في أمواله فإنه لا يجوز دفع ضرر بأعظم منه و لا يجوز بالتالي في رأيه الحجر عليه إذ المساس بالمال محتمل و إن ضر لكن المساس بقيمة الإنسان عنده غير مقبول و غير وارد و إن أفاد

4- أن القرآن عالمي في دعوته ينادي على كل البشر

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }النساء1

{مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }لقمان28

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13

و قال رسول الله في خطبة الوداع  يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، و لا لعجمي على عربي، و لا لأسود على أحمر و لا لأحمر على أسود إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال فليبلغ الشاهد الغائب.

إن جميع هذه النصوص تؤكد الأصل الواحد لبني البشر و تنبه إلى الإختلافات الشكلية بين الخلق موضحة أنه لا فضل بين البشر إلا بالإيمان و التفوى

ثم إن هناك نصوصا أخرى تخاطب غير المسلمين

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة62

و هناك نصوص اخرى تفتح مجال للتلاقي مع أصحاب الديانات الأخرى  معلنه أن أصل الرسالات السماوية واحد و لا مجال للتنافر بينهم ( فهمي هويدي مواطنون لا ذميون )

{قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }البقرة136

{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ }الشورى13

{وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }النساء152

إن جميع هذه الشواهد من القرآن و السنة إنما تدل على  سماحة الإسلام و مساواته بين المسلمين و غيرهم في الدنيا أما في الآخرة فإن الله يفاضل بين الناس على أساس دينهم و تقواهم فما الذي جعل فقهائنا يقفون هذه الوقفة الصارمة من أهل الكتاب و يفسرون آية الجزية بهذه الشدة ؟

إن الإجابة على هذا السؤال سوف تأخذنا إلى النظر في التاريخ

فعندما مات الرسول عليه الصلاة و لاسلام إرتدت الكثير من قبائل العرب و لم تكن أيدي الرومان بعيدة عنها بل كان الرومان هم المحفزين و المحرضين

و عندما جائت الحروب الصليبية نظر الصليبيون للأقليات الدينية كأنهم  أقربهم إليهم مودة فساعد الكثير من نصارى الشام الصليبين على دخول البلاد الإسلامية بل و زاد الطين بلة أن غير المسلمين ساعدوا التتار في قتل المسلمين في العراق  و قائد التتار أصدر أوامره ألا ينكل بالمسيحيين  ( زوجة جنكيز خان كانت مسيحية )  و كان التاريخ الإسلامي ملىء بإختراقات سببها أن الأقلية المسيحية تعاونت مع المعتد الظالم . و الحق يقال فالحال لم يكن خيانة دائما فكانت هناك مواقف مشرفة فقد استعان صلاح الدين  بقبط مصر في العديد من المهمات   ضد الصليبين  و أدوها خير الأداء لكن فظائع ما حدث أيام الحروب الصليبية و التترية لم يكن له أن يمر مرور الكرام فترى الفقه مرآة لروح التعصب و الكره لكل من عاون الصليبيين في عدوانهم على المسلمين

و يتبقى الجزء الأخير عن معنى كلمة الذمة و مدلولها و شكل الدولة في ذلك الوقت مقارنة بالعصر الحالي و هل يحق لغير المسلمين أن يدخلوا الجيش ؟

(2) هذا الإسلام : الجزية و الدولة الجزء الأول

30 Mar

أتناول في هذا الجزء الجزية و الدولة و نظامها العام الذي أراه إمتدادا عصريا لدولة الخلافة

فأما الجزية فهي قضية طويلة خاض فيها العديد من الفقهاء إعتمدادا على هذه الأية

{قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }التوبة29

عند تناول هذه الآية لابد أن نفرق بين أقول الفقهاء التي هي إجتهادهم  و بين النصوص و سنة الرسول .

إن الإجتهاد ليس حجة علينا طالما رأينا أنه لا يناسب عصرنا و العديد من أمراض المسلمين الآن من أن إجتهادات الأمة العظماء أصبحت جزءا من الإسلام فعندما تسأل أحد الشيوخ يقول لك الشيخ فلان قال و الشيخ كذا قال لكن القليلون هم من يقولون لك  القرآن يقول و السنة تقول .

سوف أتناول الآن ما قاله بعض الفقهاء في تفسير آية الجزية

أبدأ فأقول إن كلمة الجزية نفسها إختلف في أصلها فمنهم من قال إنها كلمة فارسية معربة (كزيت) و معناها الخراج الذي يستعان به على الحرب -و يقال أن هذه الكلمة عربية  و مادتها ( ج-ز-ى)    .

إن الجزية كما فرضت أيام النبي لم تكن حلا جديدا أو أمرا غير مألوف على أيامهم فكان الفارسيون يفرضونها على الأمم المغلوبة فقد كان الفرس يأخذون الجزية من أهل العمارة  و يعطونها للمحاربين و الجند و قد كانت الحيرة و منازل آل النعمان  في شبه الجزية يؤدون الخراج و الإتاوة للعجم (كسرى ) و قد وضعها الإغريق على سكان آسيا الصغرى  حوالي القرن الخامس قبل الميلاد مقابل حمايتم من الفينيقيين و و كانت فينيقية (لبنان الآن ) من أعمال بلاد فارس و وضعها الرومان على كل الأمم التي أخضعوها  حتى الآن من السرد التاريخي نجد أن الجزية كانت مقابل الحماية تفرضه الإمبراطوريات على الشعوب المغلوبة لا تدافع عن نفسها و تتولى هي الدفاع عنها.

و هو وضع طبيعى جدا فلإمبراطوريات عند تأسيسها لا تأمن إلا لنفسها و جنودها و أهلها فلا تسمح لأي من الشعوب المغلوبة بالإنخراط في الجيش زيادة في الحرص و الإحتراز .

نأتي الآن إلى بعض إجتهادات الأمة

قال ابن القيم إن الجزية هي ما يضرب على رؤوس الكفار  إذلالا و إصغارا !! و ذكر الإختلاف في كلمة الجزية فنقل عن ألي يعلى في الأحكام السلطانية   إن اسمها مشتق من الجزاء إما جزاءا على كفرهم منهم صغارا ( أي أذلاء) أو جزاءا على أماننا لهم  ! ثم ذكر ابن القيم رأيا يقول إن الجزية مشتقة من من جزاه بمعنى قضاه لقوله تعالى  لا تجزى نفس عن نفس شيئا ” فتكون الجزية بمعنى الفدية ! و رجح ابن القيم الرأي الأول معززا وجهة نظره بتأييد شيخه ابن تيميه و قوله : الأول هو الأصح و هذا يرجع إلى أنها عقوبة أو أجرة ! و في بعض الأماكن الأخرى يقول بن القيم إن الجزية هي عقوبة لغير المسلمين !!

و قالت الشافعية إن الجزية مقابل سكنى الدار  !!

و قالت الحنفية أنها وجبت بدلا عن نصرتهم لديار الإسلام ” لأن الذميين الذيم لما صاروا من أهل دار الإسلام بقبولهم عهد الذمة  وجب عليهم القيام بنصرتها  لأن من هو أهل دار الإسلام يلزمه القيام بنصرة هذه الدار ”  ” و لما كانت أبدانهم لا تصلح لهذه النصرة لأن الظاهر أنهم يميلون إلى أهل الدار المعادية  لإتحادهم في الإعتقاد  أوجب الشرع عليهم الجزية لتؤخذ منهم و تصرف على المقاتلة من المسلميين فتكون خلفا عن النصرة   و لهذا لا تؤخذ من الأعمى و الصبي و الشيخ و الفاني و المقعد مع مشاركتهم لغيرهم في سكنى الدار لأن هؤلاء لا يلزمهم أصلا النصرة بأبدانهم لو كانوا مسلمين فلا يلزمهم ما هو خلف عنه ” .

و عند  المالكية و الزيدية  و جبت الجزية عوضا عن قتلهم !! و عند الشافعية و الحنابلة و الشيعة الإمامية و جبت بدلا عن قتلهم و إقامتهم في دار الإسلام !!

ننتقل الآن إلى ما قاله المفسرون في نفسير كلمة ” عن يد و هم صاغرون ” التي وردت في الآية

نص الطبري أن أن معناها أذلاء مقهورون , و قال ابن كثير : و هو ذليلون حقيرون مهانون  و أضاف فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة و لا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء و بل ذهب الخرشي المالكي إلى أبعد من ذلك عندما قال في شرحه ” أن المقصود حصول الإهانة و الإذلال لكل أحد بعينه عسى أن يكون ذلك مقتضيا لرغبتهم في الإسلام ” !

و قال ابن قيم الجوزية و هو يفسر الآية : و أما قوله تعالى ” عن يد ” أي يعطوها أذلاء مقهورين و هذا هو الصحيح في الآية و عقب على من يقولون أن المقصود ليس الإذلال بل قدرة  مالية على الأداء  بأن الحكم صحيح و حمل الآية عليه باطل و لم يفسر به أحد من الصحابة و لا التابعين و لا سلف الأمة و إنما هو من تزيد بض المتأخرين !! ( و هذا ليس صحيحا كما سنرى )

و أضاف فقال : و قوله تعالى و هم صاغرون حال أخرى فالأول حال المسلمين في أخذ الجزية أن يأخذوها بقهر و عن يد و الثاني حال الدافع لها , ان يدفعها و هو صاغر ذليل ثم استطرد فقال : و اختلف الناس في تفسير ” الصغار  الذي يكونون عليه وقت الجزية فقال عكرمة : أن يدفعها و هو قائم و يكون الآخر جالسا  و قالت طائفة : أن يأتي بنفسه ماشيا لا راكبا و يطال وقوفه عند إتيانه بها و يجر عند الموضع الذي تؤخذ منه بالعنف ثم تجريده و يمتهن !!!! ثم أردف ابن القيم قائلا أن هذا كله مما لا دليل عليه في السنة و لا مقتضى الآية !  و من الواضح أن ابن القيم استنكر فقط شكل الإذلال الذي وصفه عكرمة من الذين يتلقون الجزية لكنه أيد فكرة الإذلا و الإحتقار الذي تصور أن الآية تحمله .

و قال المارودي فيقول : في قوله سبحانه و تعالى ” عن يد ” تأويلان أحدهما عن غنى و قدرة و الثاني أن يعتقدوا أن لنا في أخذها منهم يدا و قدرة عليهم و أضاف : و في قوله ” و هم صاغرون ” تأويلان , أحدهما أذلاء مستكينين و الثاني أن تجري أحكام الإسلام عليهم و لم يقل لنا أي من الرأيين يرجح . و قال أبو عبيد أن وصف ” عن يد ” فسره بعضهم بأن المقصود به أن يكون الدفع نقدا , و قال آخرون : يمشون بها بينما قال فريق ثالث : يعطيها و هو قائم و الذي يقبضها منه جالس !!

إن الملاحظ  لكل هذه الآراء هي تشربها بروح التعصب أو  الكره أو التخوف  مما هو غير إسلامي و  الرغبة في تحجيمه بأي شكل و هذا له أسبابه – التي لازلنا نعاني منها للأسف حتى الآن – و هذا ما سأتكلم عنه في الجزء الثاني

الجزية في الإسلام و الخلافة الإسلامية 

(1) هذا الإسلام كيف نفهمه ؟

29 Mar

لازلت أرى أن مشكلة الإسلام هي في المسلمين أنفسهم !!

و مازلت مؤمنا بمقولة الشيخ الغزالي : ” إن الإسلام يظلم باسم الإسلام يظلمه علماء يخدمون السلطة و شبان عديمو الفقه  و غوغاء حيارى ”

أتحدث عن هذا لأني أعلم تمام العلم أن الإسلام قادم لا محالة فالله لن يترك البشر في غيهم و ظلمهم إلى ما لا نهاية

لكن النصر لن يأتي هكذا دون أن نستحقه   ” إن تنصروا الله ينصركم ”  و أرى أن الله ينصر الكافر على المسلم طالما كان المسلم ظالما غير عابىء و لا فاهم لدينه

و إني أرى ما يحدث لنا في العراق و أفغانيستان و فلسطين فيقفز في ذهني   ما قاله الله   {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }آل عمران165

شغل عقلى منذ وقت طويل ما في القرآن من أن على غير المسلمين أن يدفعوا الجزية  {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }التوبة29

و آيات أخرى من أمثلتها ” {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ }البقرة191

لكني كلما قرأت هذه الآيات إصطدمت بآيات أخرى  و أحاديث تتكلم عن الضد من هذا مباشرة

فإذا كانت إحدى الآيات تتحدث عن ” و اقتلوهم حيث ثقفتموهم ” فإنا نجد أية أخرى لا تقول ذلك  فهي تقول ” {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ }البقرة190

إذا فهي تقول لا تقاتِلوا حتى تقاتَلوا

و إذا قرأنا أن القرآن يوجب أن نأخد الجزية من غير المسلمين ليس ذلك فقط بل يجب أن يعطوا الجزية و هم صاغرون أي أذلاء فنحن نجد أن الرسول سمح لغير المسلميين أن ينخرطوا في جيش الإسلام فقد إستعان الرسول عليه السلام في غزوة خيبر بعدد من يهود بنى قبنقاع و استعان في غزوة حنين بصفوان ابن أمية و هو مشرك ليس هذا فقط لكن الشاعر النصراني أبا زيد الطائي يقاتل مع جيش المسلمين  ضد الفرس على عهد عمر بن الخطاب  في واقعة الجسر  أيضا نلاحظ أن الرسول عندما كتب عهده إلى اليهود  قال ” و أن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم و للمسلمين دينهم ”

أليس هذا ضد القرآن عندما يقول  {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ }المؤمنون52

إن التوفيق بين هذه المتناقضات يحتاج إلى بحث فكري  عن كيفية فهم القرآن  و علاقته بالحديث

إن ما سأكتبه الآن هو فهم للإسلام قاءم على المنطق و العقل

أقول

1- أن القرآن هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي ”  فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ  ” المائدة 48

2- السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي  ” وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ”  البقرة129

إن السنة كما أعنيها تحتاج إلى شرح لمني سوف أكتفي بالقول إن السنة نوعان سنة تشريعية و سنة غير تشريعية

3- أن السنة لا يمكن أن تتعارض مع القرآن فإن تعارض أي حديث مع القرآن فهو حديث ضعيف موضوع  مرفوض

4- أن القرآن لا يمكن فهمه بعيدا عن السياق التاريخي و لا يمكن فهم أياته فرادا مقطوعة الصلة بلآيات السابقة  و  اللاحقة لها

5- إن مهمة الرسول عليه الصلاة و السلام كان البلاغ المبين أي ليس فقط تبليغ القرآن لكن شرحه و توضيحه للمسلمين

{وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }النحل64

{بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }النحل44

6- أن هناك عادات عند العرب أقرها الإسلام  و عادات خرى لم يتحدث عنها و هناك عبادات أوجبها الله على عباده فالإسلام عادات و عبادات

فأما العبادات فالثواب لمن لزمها و الثبور لمن تركها وأما العادات ففيها تفصيل !!

فالإنسان قد يضع طعامه على الأرض أو الطاولة  ثم  يأكل و يثاب في الحالتين لا لأنه يشبع حاجته لكن لأنه يأكل كي يقوى على عبادة الله و توصيل رسالته

و لا إحتجاج هنا أن من سنة النبي هو الأكل على الأرض فمن يأكل على الطاولة آثم أو يقال أن من يأكل على الأرض يكون أجره أكثر ممن يأكل واضعا طعامة على الطاولة  !!! إن هذا الفكر الأحمق هو ما أصاب الأمة في مقتل  !!

هنا يجب أن نفرق بين السنة التشريعية و السنة غير التشريعة  فالرسول إنما كان بشرا له عادات و قد كان الصحابة يعلمون ذلك جيدا

فهاهو الحباب بن منذر يقول للنبي في غزوة بدر وقال : يا رسول الله ، أرأيت هذا المنزل ، أمنزلاً أنزلكه الله ، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ؟ أمّ هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : ( بل هي الرأي والحرب والمكيدة )
قال : يا رسول الله ، إن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس نأتي أدنى ماء القوم ، فننزله ونغوّر – أي : نخرِّب – ما وراءه من القُلُب – أي : الآبار – ثمّ نبني عليه حوضاً ، فنملأه ماء ، ثمّ نقاتل القوم ، فنشرب ولا يشربون .
فقال القائد الأعظم بأبي هو أمي صلى الله عليه وسلم ( لقد أشرت بالرأي ) .

و هناك أحاديث كثيرة تتحدث عن نفس المعنى : يتناقش الصحابة مع الرسول إذا ما كان ما يقوله هو الرأي من عند الله أم من  رأيه و لا مجال لسردها جميعا هنا .

و منه أيضا قول بعض الأغبياء أن اللباس السنة هو الجلباب كما كان الرسول يفعل !! كل داء يستطاب منه إلا الحماقة أعيت من يداويها  ألم يسمع هؤلاء حديث النبي  – في البخاري – ” كل ماشئت و إلبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان : سرف و و مخيلة ”

و ما يقال عن المأكل يقال عن الملبس والمشرب و غيره من صنوف عادات العرب من العمامة و النقاب و غيرها مما لا يتسع المقام هنا لها

باستعمال هذه المبادىء الستة  سوف أتناول العديد من قضايا الإسلام التي إعترضتني  من اول الجزية حتى قضية اللحية !!

%d bloggers like this: