(3) هذا الإسلام : الجزية و الدولة الجزء الثاني

2 Apr

إنتهيت في الجزء الأول من عرض إجتهادات الفقهاء عن الجزية و عقبت قائلا إنها آراء يشوبها التعصب أو الكره أو عدم الثقة  و هو ما سأشرح سببه الآن .

إن القارىء للقرآن يجد دائما صراعا بين المسلمين في و غيرهم من اليهود و النصارى كما تقول الآيات

{وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }البقرة120

إن هذه المعاني و و معانٍ أخرى يعرضها الحق سبحانه و تعالى في معرض حديثه عن الصراع السياسي الناشب في الدينة المنورة بين الرسول و بين اليهود

حتى هنا و لم يفهم المسلمون الأوائل أنهم في حالة حرب مع أي من أصحاب الديانات فانظر إلى ما فعله الصحابة عند دخولهم الشام و مصر فلم يقتلوا رجلا و لا إمرأة بل تعاملوا مع كل أهل البلاد المفتوحة بالحب و الإحترام

و إني أريد أن أذكر بعض ما قاله الصحابة

فهاهو عمر بن الخطاب يوصي سعد بن ابي وقاص قائلا “و نح منازلهم ( أي منازل جنود المسلمين ) عن قرى أهل الصلح و الذمة فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه و لا يرزأ  ( يتقاضى ) من أهلها شيئافإن لهم حرمة و ذمة إبتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها فما صبروا لكم ففوا ( أي أوفوا ) ”

يالهذه السماحة إن عمر يأمر قائد جيشه بأن يجعل منازل الجنود بعيدا عن أهل القرى حتى لا يؤذي مشاعرهم ! أي رسالة هذه التي تحرص على مشاعر أناس لا يتبعونها ؟ أي قوم هؤلاء الذين يحابون لإسقاط حكم الرومان في مصر  والشام لا لشىء سوى دك مواقع الكفر و حصون الظلم ؟

إنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر ,  إنهم خير أمة أخرجت للناس .

و يقول الإمام على رضى الله عنه مخاطبا مالك الأشتر حين ولاه مصر بعد مقتل محمد بن أبي بكر “و اشعر قلبك الرحمة للرعية و المحبة لهم و اللطف بهم  فإنهم صنفان : إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق ”

إن  هناك شواهد كثيرة في السيرة أن الصحابة  و الرسول نفسه لم يكرهوا أحد لمجرد الكره أو كرهوا أحد لا لسبب سوى انه مختلف في الدين

فها هو الرسول عليه الصلاة و السلام تمر أمامه جنازة ليهودي فيقوم من مجلسه تحية و إحتراما لجثمان الميت فقام الصحابة يقولن له إنها جنازة يهودي ؟ فكان رد الرسول سريعا و حاسما : أليست نفسا ؟ أليس إنسان من خلق الله و صنعه ؟

إن تلك الواقعة الأخيرة تلقي الضوء على موقف الإسلام من أصحاب الديانات الأخرى  و أظن أنه قد حان الوقت لأستعمل المبادىء العامة لتي سوقتها في أول مقالة في هذه المجموعة كي أوضح موقف القرآن

1-

آيات تدل على شىء واحد هو أن الإنسان مخلوق مكرم مرفوع شأنه ليس كبقية المخلوقات

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70

يفهم إذا من هذه الآية أن كل ابن آدم كلهم بلا إستثناء مكرمين و كلهم مفضلين لا فرق بين مسلم و غير مسلم

و أخرى {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }التين4

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30

{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ }الأعراف11

3- ثم هناك الفكرة المكزية ألا و هي النفس البشرية و رفيع مكانتها

{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ }المائدة32

أي أن اليهودي الذي يقتل كافرا يقتل فيه و أن المسلم الذي يقتل غير مسلم يقتل فيه – إذا كان القتل خطأً- ليس هذا فقط فإن العدوان على النفس البشرية هو عدوان على الناس جميعا – إن هذا هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالفعل

و الآية واضحة هنا لا تفرق بين مسلم وغير مسلم  و لقد كانت لهذه الآية صدى بعيد في فكر فقهائنا العظام فإن الإمام أبو حنيفة بعدم جواز الحجر على السفيه لأن في هذا إهدارا لآدميته  و لما كان الضرر الذي يصيب آدميته جراء هذا الحجر أكبر من الضرر المادي الذي يترتب علي تصرفه في أمواله فإنه لا يجوز دفع ضرر بأعظم منه و لا يجوز بالتالي في رأيه الحجر عليه إذ المساس بالمال محتمل و إن ضر لكن المساس بقيمة الإنسان عنده غير مقبول و غير وارد و إن أفاد

4- أن القرآن عالمي في دعوته ينادي على كل البشر

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }النساء1

{مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }لقمان28

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13

و قال رسول الله في خطبة الوداع  يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، و لا لعجمي على عربي، و لا لأسود على أحمر و لا لأحمر على أسود إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال فليبلغ الشاهد الغائب.

إن جميع هذه النصوص تؤكد الأصل الواحد لبني البشر و تنبه إلى الإختلافات الشكلية بين الخلق موضحة أنه لا فضل بين البشر إلا بالإيمان و التفوى

ثم إن هناك نصوصا أخرى تخاطب غير المسلمين

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة62

و هناك نصوص اخرى تفتح مجال للتلاقي مع أصحاب الديانات الأخرى  معلنه أن أصل الرسالات السماوية واحد و لا مجال للتنافر بينهم ( فهمي هويدي مواطنون لا ذميون )

{قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }البقرة136

{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ }الشورى13

{وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }النساء152

إن جميع هذه الشواهد من القرآن و السنة إنما تدل على  سماحة الإسلام و مساواته بين المسلمين و غيرهم في الدنيا أما في الآخرة فإن الله يفاضل بين الناس على أساس دينهم و تقواهم فما الذي جعل فقهائنا يقفون هذه الوقفة الصارمة من أهل الكتاب و يفسرون آية الجزية بهذه الشدة ؟

إن الإجابة على هذا السؤال سوف تأخذنا إلى النظر في التاريخ

فعندما مات الرسول عليه الصلاة و لاسلام إرتدت الكثير من قبائل العرب و لم تكن أيدي الرومان بعيدة عنها بل كان الرومان هم المحفزين و المحرضين

و عندما جائت الحروب الصليبية نظر الصليبيون للأقليات الدينية كأنهم  أقربهم إليهم مودة فساعد الكثير من نصارى الشام الصليبين على دخول البلاد الإسلامية بل و زاد الطين بلة أن غير المسلمين ساعدوا التتار في قتل المسلمين في العراق  و قائد التتار أصدر أوامره ألا ينكل بالمسيحيين  ( زوجة جنكيز خان كانت مسيحية )  و كان التاريخ الإسلامي ملىء بإختراقات سببها أن الأقلية المسيحية تعاونت مع المعتد الظالم . و الحق يقال فالحال لم يكن خيانة دائما فكانت هناك مواقف مشرفة فقد استعان صلاح الدين  بقبط مصر في العديد من المهمات   ضد الصليبين  و أدوها خير الأداء لكن فظائع ما حدث أيام الحروب الصليبية و التترية لم يكن له أن يمر مرور الكرام فترى الفقه مرآة لروح التعصب و الكره لكل من عاون الصليبيين في عدوانهم على المسلمين

و يتبقى الجزء الأخير عن معنى كلمة الذمة و مدلولها و شكل الدولة في ذلك الوقت مقارنة بالعصر الحالي و هل يحق لغير المسلمين أن يدخلوا الجيش ؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: