(2) هذا الإسلام : الجزية و الدولة الجزء الأول

30 Mar

أتناول في هذا الجزء الجزية و الدولة و نظامها العام الذي أراه إمتدادا عصريا لدولة الخلافة

فأما الجزية فهي قضية طويلة خاض فيها العديد من الفقهاء إعتمدادا على هذه الأية

{قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }التوبة29

عند تناول هذه الآية لابد أن نفرق بين أقول الفقهاء التي هي إجتهادهم  و بين النصوص و سنة الرسول .

إن الإجتهاد ليس حجة علينا طالما رأينا أنه لا يناسب عصرنا و العديد من أمراض المسلمين الآن من أن إجتهادات الأمة العظماء أصبحت جزءا من الإسلام فعندما تسأل أحد الشيوخ يقول لك الشيخ فلان قال و الشيخ كذا قال لكن القليلون هم من يقولون لك  القرآن يقول و السنة تقول .

سوف أتناول الآن ما قاله بعض الفقهاء في تفسير آية الجزية

أبدأ فأقول إن كلمة الجزية نفسها إختلف في أصلها فمنهم من قال إنها كلمة فارسية معربة (كزيت) و معناها الخراج الذي يستعان به على الحرب -و يقال أن هذه الكلمة عربية  و مادتها ( ج-ز-ى)    .

إن الجزية كما فرضت أيام النبي لم تكن حلا جديدا أو أمرا غير مألوف على أيامهم فكان الفارسيون يفرضونها على الأمم المغلوبة فقد كان الفرس يأخذون الجزية من أهل العمارة  و يعطونها للمحاربين و الجند و قد كانت الحيرة و منازل آل النعمان  في شبه الجزية يؤدون الخراج و الإتاوة للعجم (كسرى ) و قد وضعها الإغريق على سكان آسيا الصغرى  حوالي القرن الخامس قبل الميلاد مقابل حمايتم من الفينيقيين و و كانت فينيقية (لبنان الآن ) من أعمال بلاد فارس و وضعها الرومان على كل الأمم التي أخضعوها  حتى الآن من السرد التاريخي نجد أن الجزية كانت مقابل الحماية تفرضه الإمبراطوريات على الشعوب المغلوبة لا تدافع عن نفسها و تتولى هي الدفاع عنها.

و هو وضع طبيعى جدا فلإمبراطوريات عند تأسيسها لا تأمن إلا لنفسها و جنودها و أهلها فلا تسمح لأي من الشعوب المغلوبة بالإنخراط في الجيش زيادة في الحرص و الإحتراز .

نأتي الآن إلى بعض إجتهادات الأمة

قال ابن القيم إن الجزية هي ما يضرب على رؤوس الكفار  إذلالا و إصغارا !! و ذكر الإختلاف في كلمة الجزية فنقل عن ألي يعلى في الأحكام السلطانية   إن اسمها مشتق من الجزاء إما جزاءا على كفرهم منهم صغارا ( أي أذلاء) أو جزاءا على أماننا لهم  ! ثم ذكر ابن القيم رأيا يقول إن الجزية مشتقة من من جزاه بمعنى قضاه لقوله تعالى  لا تجزى نفس عن نفس شيئا ” فتكون الجزية بمعنى الفدية ! و رجح ابن القيم الرأي الأول معززا وجهة نظره بتأييد شيخه ابن تيميه و قوله : الأول هو الأصح و هذا يرجع إلى أنها عقوبة أو أجرة ! و في بعض الأماكن الأخرى يقول بن القيم إن الجزية هي عقوبة لغير المسلمين !!

و قالت الشافعية إن الجزية مقابل سكنى الدار  !!

و قالت الحنفية أنها وجبت بدلا عن نصرتهم لديار الإسلام ” لأن الذميين الذيم لما صاروا من أهل دار الإسلام بقبولهم عهد الذمة  وجب عليهم القيام بنصرتها  لأن من هو أهل دار الإسلام يلزمه القيام بنصرة هذه الدار ”  ” و لما كانت أبدانهم لا تصلح لهذه النصرة لأن الظاهر أنهم يميلون إلى أهل الدار المعادية  لإتحادهم في الإعتقاد  أوجب الشرع عليهم الجزية لتؤخذ منهم و تصرف على المقاتلة من المسلميين فتكون خلفا عن النصرة   و لهذا لا تؤخذ من الأعمى و الصبي و الشيخ و الفاني و المقعد مع مشاركتهم لغيرهم في سكنى الدار لأن هؤلاء لا يلزمهم أصلا النصرة بأبدانهم لو كانوا مسلمين فلا يلزمهم ما هو خلف عنه ” .

و عند  المالكية و الزيدية  و جبت الجزية عوضا عن قتلهم !! و عند الشافعية و الحنابلة و الشيعة الإمامية و جبت بدلا عن قتلهم و إقامتهم في دار الإسلام !!

ننتقل الآن إلى ما قاله المفسرون في نفسير كلمة ” عن يد و هم صاغرون ” التي وردت في الآية

نص الطبري أن أن معناها أذلاء مقهورون , و قال ابن كثير : و هو ذليلون حقيرون مهانون  و أضاف فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة و لا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء و بل ذهب الخرشي المالكي إلى أبعد من ذلك عندما قال في شرحه ” أن المقصود حصول الإهانة و الإذلال لكل أحد بعينه عسى أن يكون ذلك مقتضيا لرغبتهم في الإسلام ” !

و قال ابن قيم الجوزية و هو يفسر الآية : و أما قوله تعالى ” عن يد ” أي يعطوها أذلاء مقهورين و هذا هو الصحيح في الآية و عقب على من يقولون أن المقصود ليس الإذلال بل قدرة  مالية على الأداء  بأن الحكم صحيح و حمل الآية عليه باطل و لم يفسر به أحد من الصحابة و لا التابعين و لا سلف الأمة و إنما هو من تزيد بض المتأخرين !! ( و هذا ليس صحيحا كما سنرى )

و أضاف فقال : و قوله تعالى و هم صاغرون حال أخرى فالأول حال المسلمين في أخذ الجزية أن يأخذوها بقهر و عن يد و الثاني حال الدافع لها , ان يدفعها و هو صاغر ذليل ثم استطرد فقال : و اختلف الناس في تفسير ” الصغار  الذي يكونون عليه وقت الجزية فقال عكرمة : أن يدفعها و هو قائم و يكون الآخر جالسا  و قالت طائفة : أن يأتي بنفسه ماشيا لا راكبا و يطال وقوفه عند إتيانه بها و يجر عند الموضع الذي تؤخذ منه بالعنف ثم تجريده و يمتهن !!!! ثم أردف ابن القيم قائلا أن هذا كله مما لا دليل عليه في السنة و لا مقتضى الآية !  و من الواضح أن ابن القيم استنكر فقط شكل الإذلال الذي وصفه عكرمة من الذين يتلقون الجزية لكنه أيد فكرة الإذلا و الإحتقار الذي تصور أن الآية تحمله .

و قال المارودي فيقول : في قوله سبحانه و تعالى ” عن يد ” تأويلان أحدهما عن غنى و قدرة و الثاني أن يعتقدوا أن لنا في أخذها منهم يدا و قدرة عليهم و أضاف : و في قوله ” و هم صاغرون ” تأويلان , أحدهما أذلاء مستكينين و الثاني أن تجري أحكام الإسلام عليهم و لم يقل لنا أي من الرأيين يرجح . و قال أبو عبيد أن وصف ” عن يد ” فسره بعضهم بأن المقصود به أن يكون الدفع نقدا , و قال آخرون : يمشون بها بينما قال فريق ثالث : يعطيها و هو قائم و الذي يقبضها منه جالس !!

إن الملاحظ  لكل هذه الآراء هي تشربها بروح التعصب أو  الكره أو التخوف  مما هو غير إسلامي و  الرغبة في تحجيمه بأي شكل و هذا له أسبابه – التي لازلنا نعاني منها للأسف حتى الآن – و هذا ما سأتكلم عنه في الجزء الثاني

الجزية في الإسلام و الخلافة الإسلامية 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: