أتناول في هذا الجزء الجزية و الدولة و نظامها العام الذي أراه إمتدادا عصريا لدولة الخلافة
فأما الجزية فهي قضية طويلة خاض فيها العديد من الفقهاء إعتمدادا على هذه الأية
{قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }التوبة29
عند تناول هذه الآية لابد أن نفرق بين أقول الفقهاء التي هي إجتهادهم و بين النصوص و سنة الرسول .
إن الإجتهاد ليس حجة علينا طالما رأينا أنه لا يناسب عصرنا و العديد من أمراض المسلمين الآن من أن إجتهادات الأمة العظماء أصبحت جزءا من الإسلام فعندما تسأل أحد الشيوخ يقول لك الشيخ فلان قال و الشيخ كذا قال لكن القليلون هم من يقولون لك القرآن يقول و السنة تقول .
سوف أتناول الآن ما قاله بعض الفقهاء في تفسير آية الجزية
أبدأ فأقول إن كلمة الجزية نفسها إختلف في أصلها فمنهم من قال إنها كلمة فارسية معربة (كزيت) و معناها الخراج الذي يستعان به على الحرب -و يقال أن هذه الكلمة عربية و مادتها ( ج-ز-ى) .
إن الجزية كما فرضت أيام النبي لم تكن حلا جديدا أو أمرا غير مألوف على أيامهم فكان الفارسيون يفرضونها على الأمم المغلوبة فقد كان الفرس يأخذون الجزية من أهل العمارة و يعطونها للمحاربين و الجند و قد كانت الحيرة و منازل آل النعمان في شبه الجزية يؤدون الخراج و الإتاوة للعجم (كسرى ) و قد وضعها الإغريق على سكان آسيا الصغرى حوالي القرن الخامس قبل الميلاد مقابل حمايتم من الفينيقيين و و كانت فينيقية (لبنان الآن ) من أعمال بلاد فارس و وضعها الرومان على كل الأمم التي أخضعوها حتى الآن من السرد التاريخي نجد أن الجزية كانت مقابل الحماية تفرضه الإمبراطوريات على الشعوب المغلوبة لا تدافع عن نفسها و تتولى هي الدفاع عنها.
و هو وضع طبيعى جدا فلإمبراطوريات عند تأسيسها لا تأمن إلا لنفسها و جنودها و أهلها فلا تسمح لأي من الشعوب المغلوبة بالإنخراط في الجيش زيادة في الحرص و الإحتراز .
نأتي الآن إلى بعض إجتهادات الأمة
قال ابن القيم إن الجزية هي ما يضرب على رؤوس الكفار إذلالا و إصغارا !! و ذكر الإختلاف في كلمة الجزية فنقل عن ألي يعلى في الأحكام السلطانية إن اسمها مشتق من الجزاء إما جزاءا على كفرهم منهم صغارا ( أي أذلاء) أو جزاءا على أماننا لهم ! ثم ذكر ابن القيم رأيا يقول إن الجزية مشتقة من من جزاه بمعنى قضاه لقوله تعالى لا تجزى نفس عن نفس شيئا ” فتكون الجزية بمعنى الفدية ! و رجح ابن القيم الرأي الأول معززا وجهة نظره بتأييد شيخه ابن تيميه و قوله : الأول هو الأصح و هذا يرجع إلى أنها عقوبة أو أجرة ! و في بعض الأماكن الأخرى يقول بن القيم إن الجزية هي عقوبة لغير المسلمين !!
و قالت الشافعية إن الجزية مقابل سكنى الدار !!
و قالت الحنفية أنها وجبت بدلا عن نصرتهم لديار الإسلام ” لأن الذميين الذيم لما صاروا من أهل دار الإسلام بقبولهم عهد الذمة وجب عليهم القيام بنصرتها لأن من هو أهل دار الإسلام يلزمه القيام بنصرة هذه الدار ” ” و لما كانت أبدانهم لا تصلح لهذه النصرة لأن الظاهر أنهم يميلون إلى أهل الدار المعادية لإتحادهم في الإعتقاد أوجب الشرع عليهم الجزية لتؤخذ منهم و تصرف على المقاتلة من المسلميين فتكون خلفا عن النصرة و لهذا لا تؤخذ من الأعمى و الصبي و الشيخ و الفاني و المقعد مع مشاركتهم لغيرهم في سكنى الدار لأن هؤلاء لا يلزمهم أصلا النصرة بأبدانهم لو كانوا مسلمين فلا يلزمهم ما هو خلف عنه ” .
و عند المالكية و الزيدية و جبت الجزية عوضا عن قتلهم !! و عند الشافعية و الحنابلة و الشيعة الإمامية و جبت بدلا عن قتلهم و إقامتهم في دار الإسلام !!
ننتقل الآن إلى ما قاله المفسرون في نفسير كلمة ” عن يد و هم صاغرون ” التي وردت في الآية
نص الطبري أن أن معناها أذلاء مقهورون , و قال ابن كثير : و هو ذليلون حقيرون مهانون و أضاف فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة و لا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء و بل ذهب الخرشي المالكي إلى أبعد من ذلك عندما قال في شرحه ” أن المقصود حصول الإهانة و الإذلال لكل أحد بعينه عسى أن يكون ذلك مقتضيا لرغبتهم في الإسلام ” !
و قال ابن قيم الجوزية و هو يفسر الآية : و أما قوله تعالى ” عن يد ” أي يعطوها أذلاء مقهورين و هذا هو الصحيح في الآية و عقب على من يقولون أن المقصود ليس الإذلال بل قدرة مالية على الأداء بأن الحكم صحيح و حمل الآية عليه باطل و لم يفسر به أحد من الصحابة و لا التابعين و لا سلف الأمة و إنما هو من تزيد بض المتأخرين !! ( و هذا ليس صحيحا كما سنرى )
و أضاف فقال : و قوله تعالى و هم صاغرون حال أخرى فالأول حال المسلمين في أخذ الجزية أن يأخذوها بقهر و عن يد و الثاني حال الدافع لها , ان يدفعها و هو صاغر ذليل ثم استطرد فقال : و اختلف الناس في تفسير ” الصغار الذي يكونون عليه وقت الجزية فقال عكرمة : أن يدفعها و هو قائم و يكون الآخر جالسا و قالت طائفة : أن يأتي بنفسه ماشيا لا راكبا و يطال وقوفه عند إتيانه بها و يجر عند الموضع الذي تؤخذ منه بالعنف ثم تجريده و يمتهن !!!! ثم أردف ابن القيم قائلا أن هذا كله مما لا دليل عليه في السنة و لا مقتضى الآية ! و من الواضح أن ابن القيم استنكر فقط شكل الإذلال الذي وصفه عكرمة من الذين يتلقون الجزية لكنه أيد فكرة الإذلا و الإحتقار الذي تصور أن الآية تحمله .
و قال المارودي فيقول : في قوله سبحانه و تعالى ” عن يد ” تأويلان أحدهما عن غنى و قدرة و الثاني أن يعتقدوا أن لنا في أخذها منهم يدا و قدرة عليهم و أضاف : و في قوله ” و هم صاغرون ” تأويلان , أحدهما أذلاء مستكينين و الثاني أن تجري أحكام الإسلام عليهم و لم يقل لنا أي من الرأيين يرجح . و قال أبو عبيد أن وصف ” عن يد ” فسره بعضهم بأن المقصود به أن يكون الدفع نقدا , و قال آخرون : يمشون بها بينما قال فريق ثالث : يعطيها و هو قائم و الذي يقبضها منه جالس !!
إن الملاحظ لكل هذه الآراء هي تشربها بروح التعصب أو الكره أو التخوف مما هو غير إسلامي و الرغبة في تحجيمه بأي شكل و هذا له أسبابه – التي لازلنا نعاني منها للأسف حتى الآن – و هذا ما سأتكلم عنه في الجزء الثاني
الجزية في الإسلام و الخلافة الإسلامية





